كان يفترض أن يكون لقاء ريكيافيك محطة خاصة في الطريق إلى قمة أكثر رسمية. لكن رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف أمضيا يومي 11 و12 أكتوبر 1986 في مناقشة احتمال بدا بعيدا حتى في العصر النووي: إزالة فئات كاملة من الصواريخ، بل تحدث الزعيمان في مرحلة ما عن التخلص من جميع الأسلحة النووية. وعادا إلى بلديهما دون اتفاق موقع. وكثيرا ما جعل غياب المعاهدة اللقاء الآيسلندي يبدو فشلا. غير أن السجل الأرشيفي يكشف أمرا أصعب اختزالا: مفاوضات تجاوزت التوقعات، ثم توقفت عند ما اعتبر كل طرف أن الآخر يطالبه بالتخلي عنه.
وصل الزعيمان بعد عام من الاتصالات الحذرة. فقد أنشأت قمتهما الأولى في جنيف، في نوفمبر 1985، قناة شخصية، لكنها لم تحسم سباق التسلح. وظلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يتفاوضان بشأن الأسلحة الاستراتيجية والصواريخ المتوسطة المدى، بينما واصلت واشنطن مبادرة الدفاع الاستراتيجي، برنامج الأبحاث الذي أطلق عليه ريغان «حرب النجوم». واقترح غورباتشوف ريكيافيك لكسر جمود دبلوماسي قبل اجتماع أشمل. ووصف ريغان الرحلة علنا بأنها فرصة لمراجعة الخلافات، لا لتوقيع اتفاقات جوهرية.
قمة بلا مراسم كبرى
كانت ريكيافيك أصغر وأقل رسمية من اللقاءات الكبرى التي أحاطت عادة بدبلوماسية القوتين العظميين. واجتمع الزعيمان في منزل هوفدي، وهو مبنى متواضع على الساحل الآيسلندي، مع عدد محدود من المستشارين. وأتاح هذا الشكل الانتقال بسرعة من مقترح إلى آخر. ويتضمن السجل المنشور لوزارة الخارجية الأمريكية مذكرات المحادثات وجلسات مجموعات العمل، بينما تحفظ مكتبة ريغان خطبا وصورا ودليلا موضوعيا للقمة. وتسمح هذه الوثائق للمؤرخين بمتابعة التفاوض بوصفه جدلا حول الشروط، لا مجرد لقاء رمزي بين رجلين قويين.
شملت المناقشات الأسلحة الاستراتيجية والصواريخ المتوسطة المدى والتجارب النووية وأنظمة الدفاع. واقترح غورباتشوف تخفيضات كبيرة في الترسانات الهجومية، منها إزالة الصواريخ الباليستية خلال عقد. وبحث الزعيمان أيضا خفض الأسلحة الاستراتيجية إلى النصف. كان الحجم استثنائيا، لكن المقترحات لم تكن معاهدة نزع سلاح جاهزة للتوقيع. فقد استمر الخلاف حول التحقق وتسلسل التنفيذ وما يدخل في تعريف السلاح الاستراتيجي. فالرؤية الواسعة والاتفاق القابل للتنفيذ أمران مختلفان.
نقطة الخلاف: ماذا يفعل بالدفاع الصاروخي؟
تعلق أصعب الخلافات بمعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية ومبادرة الدفاع الاستراتيجي. أراد غورباتشوف أن تقصر الولايات المتحدة أبحاث المبادرة على المختبرات لعدد من السنوات. ورفض ريغان التخلي عن البرنامج أو قبول قيود رآها تحد من الأبحاث الدفاعية. ويعرض السجل الأمريكي الخلاف بوصفه مطلبا سوفيتيا لتقييد المبادرة؛ بينما شددت الروايات السوفيتية على أن الدفاع الصاروخي قد يقوض التوازن الذي تصنعه القيود على الأسلحة الهجومية. وقال كل طرف إن موقفه يحمي الاستقرار الاستراتيجي.
عرقل ذلك الخلاف حزمة الاتفاق. فقد اقترب ريغان وغورباتشوف من قبول تخفيضات كبيرة في الترسانات النووية، لكن أيا منهما لم يكن مستعدا لفصلها عن النزاع حول الدفاعات. واعتبر الجانب السوفيتي قيود المبادرة شرطا أساسيا لصفقة شاملة. وأصر ريغان على ألا ترتهن تخفيضات الأسلحة الهجومية لقيود على برنامج أبحاث دفاعية. وعندما انتهت المحادثات، ظلت الأفكار الأكثر طموحا مقترحات لا التزامات.
الفرق بين «كادا يتفقان» و«اتفقا» مهم. فقد ناقش الزعيمان تخفيضات شاملة، لكنهما لم يوقعا خطة لإلغاء الأسلحة النووية. وتختزل بعض الروايات العامة ريكيافيك في فرصة واحدة ضائعة لعالم خال من السلاح النووي. ولا تدعم الوثائق هذا اليقين؛ بل تظهر جلسة مساومة مكثفة، ومجالات تقارب عدة، وخلافا أساسيا لم يحله أي من الزعيمين.
ما الذي غيرته القمة؟
لم ينتج الاجتماع معاهدة، لكنه أسهم في تشكيل المفاوضات اللاحقة. وواصلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي العملية، ووقعا في ديسمبر 1987 معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى، التي أزالت فئة من الصواريخ المطلقة من البر. ولم تكن الصلة تلقائية: فريكيافيك لم تنشئ المعاهدة بذاتها، واحتاج الاتفاق اللاحق إلى أشهر من الدبلوماسية الإضافية. لكن المحادثات الآيسلندية ضيقت الخلافات، وجعلت احتمال التوصل إلى اتفاق قابل للتحقق أكثر واقعية.
كشفت ريكيافيك أيضا كيف يمكن لخلاف بشأن التكنولوجيا أن يحافظ على تماسك صفقة لضبط التسلح أو يفككها. فلم يكن الصراع مجرد سؤال عن خطورة الأسلحة النووية؛ فقد أقرت الحكومتان بالمخاطر الهائلة لترسانتيهما. بل اختلفتا حول ما إذا كانت الأنظمة الدفاعية قد تجعل العالم أكثر أمنا، أو تزعزع الردع بإتاحة فرصة لطرف كي يحتمي بعد توجيه الضربة الأولى. وتشابك مستقبل المبادرة الدفاعية مع وتيرة التخفيضات الهجومية ونطاقها.
بالنسبة إلى غورباتشوف، تجاوزت الرهانات الحسابات العسكرية. كانت حكومته تحاول تقليل تكاليف المواجهة وإفساح المجال لإصلاح داخلي. أما ريغان، فكان ينبغي لضبط التسلح أن يتعايش مع اقتناعه بضرورة استمرار الولايات المتحدة في أبحاث الدفاع الصاروخي. ويمكن إعادة بناء هذه الدوافع من سجلات السياسات والتصريحات العامة، لكن لا ينبغي تحويلها إلى دراما شخصية لا يقدم الأرشيف دليلا عليها.
لذلك ليست قصة ريكيافيك أن زعيمين تصافحا وكادا ينهيان الحرب الباردة خلال عطلة أسبوع. بل إن قمة صغيرة اختبرت مدى ما تستطيع حكومتاهما بلوغه عندما لا يكون الهدف مجرد تجميد الترسانات، بل خفضها بعمق. غادر الزعيمان دون الوثيقة التي أملا التفاوض عليها. ومع ذلك، غيرت المحادثات نطاق ما يمكن مناقشته سياسيا. وفي السنوات التالية، لم يعد السؤال مقتصرا على كيفية إدارة سباق التسلح، بل شمل إمكانية إزالة أسلحته الرئيسية باتفاق، والشروط التي يتحقق بها ذلك.
المصادر: وزارة الخارجية الأمريكية: سجل مجموعة العمل في ريكيافيك، وزارة الخارجية الأمريكية: مذكرة الاجتماع الأخير، مكتبة ريغان: دليل قمة ريكيافيك، مكتبة ريغان: تصريحات ما بعد القمة، وزارة الخارجية الأمريكية: سجل ما بعد ريكيافيك



